إخوان الصفاء
412
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الصناعة . ومن لا يكون كذلك فليس هو من أهل الصفاء ، لأنه لو كان من أهل الصفاء ، لكان له بصفاته عمن دونه الغنى . واعلم يا أخي أن حقيقة الصفاء أيضا هي أن لا يغيب عن النفس الصافية الزكيّة شيء من الأشياء التي بها الحاجة إليها ، لما قد بليت به من مداواة هذا الجسم من مقاساته ، وبالصفاء تتهيأ لها الراحة منه والبعد عنه ، بحيث لا تكون نازلة عليه ولا مشتاقة إليه . وقد ذكرنا أن بمعرفة العلوم اللطيفة والمعارف الشريفة يتهيأ للإنسان ما يكون به صلاح أمر جسمه في دنياه ، وصلاح أمر نفسه في عقباه في دار الآخرة ، ولكن ليس كل واحد يتهيأ له ذلك في أمر جسمه ، إذ كانت الأجسام مربوطة بالأمور الفلكية ، وذلك أن كثيرا من الناس ينالون من معرفة علم الحساب والعمل به ما لا يقدر عليه غيرهم ، فلا ينالون ما يكون به صلاح أجسامهم في أمور دنياهم ، ولا صلاح أنفسهم في أمر أديانهم ، ولا يحتاج إليهم فيه فينال من هو دونهم في المعرفة بذلك الحظّ في الدنيا ، ويغيب عنه ما يكون به صلاح نفسه . وآخرون نالوا به السعادة في أديانهم وكان مؤدّيا بهم إلى النجاة ، ولم ينالوا به الحظ في الدنيا ، وآخرون رزقوا به النجاة في الدارين والحظّ في المنزلتين . وآخرون رزقوا الحظ في الدنيا بغير ذلك من العلوم الأدبية والمعارف الطبّيّة بصرفهم قواهم المختصّة بهم من ذلك إلى النظر في الأفعال الطبيعية والصنائع التركيبية ، ثم استدلّوا بما قدروا عليه ووصلوا إليه ، ومنهم من استعان به على ما يعود بصلاح جسمه بحسب الحاجة ، وصرف باقي ذلك فيما يكون به نجاة نفسه في الآخرة . وآخرون حرموا ذلك ولم يوفقوا له . واعلم يا أخي أن الناس في العلوم العقلية والمعارف الرّبّانية والحكم النفسانية أعلاهم طبقة هم الأنبياء ، عليهم السلام ، وأعلى الناس في الصنائع والمعارف الجسمية هم الحكماء ، وغاية ما نال العالم بعلوم الأنبياء صلاح النفس في دار المعاد ، وغاية ما نال العالم بعلوم الحكمة صلاح الأجسام في دار